فخر الدين الرازي

34

تفسير الرازي

واتبعناه ، وهذا فيه إشكال من حيث إن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر مطلقاً ، فكيف كانوا يعترفون بالرسل ، فمن أين عرفوا أن اليهود كذبوا وما جاءهم كتاب ولولا كتاب الله وبيان رسوله من أين كان يعلم المشركون أنهم صدقوا شيئاً وكذبوا في شيء ؟ بل المراد ما ذكرنا أنهم كانوا يقولون نحن لو جاءنا رسول لا ننكره وإنما ننكر كون محمد رسولاً من حيث إنه كاذب ولو صح كونه رسولاً لآمنا وقوله : * ( فلما جاءهم ) * أي فلما صح لهم مجيؤه بالمعجزة ، وفي قوله : * ( أهدى ) * وجهان أحدهما : أن يكون المراد أهدى مما نحن عليه وعلى هذا فقوله : * ( من إحدى الأمم ) * للنبيين كما يقول القائل زيد من المسلمين ويدل على هذا قوله تعالى : * ( فلما جاءهم نذيراً ما زادهم إلا نفوراً ) * أي صاروا أضل مما كانوا وكانوا يقولون نكون أهدى وثانيهما : أن يكون المراد أن نكون أهدى من إحدى الأمم كما يقول القائل زيد أولى من عمرو ، وفي الأمم وجهان أحدهما : أن يكون المراد العموم أي أهدى من أي إحدى الأمم وفيه تعريض وثانيهما : أن يكون المراد تعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى ومن كان في زمانهم . ثم قال تعالى : * ( استكباراً في الأرض ) * ونصبه يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون حالاً أي مستكبرين في الأرض وثانيها : أن يكون مفعولاً له أي للاستكبار وثالثها : أن يكون بدلاً عن النفور وقوله : * ( ومكر السيء ) * إضافة الجنس إلى نوعه كما يقال علم الفقه وحرفة الحدادة وتحقيقه أن يقال معناه ومكروا مكراً سيئاً ثم عرف لظهور مكرهم ، ثم ترك التعريف باللام وأضيف إلى السيء لكون السوء فيه أبين الأمور ، ويحتمل أن يقال بأن المكر يستعمل استعمال العمل كما ذكرنا في قوله تعالى : * ( والذين يمكرون السيئات ) * أي يعملون السيئات ، ومكرهم السيء ، وهو جميع ما كان يصدر منهم من القصد إلى الإيذاء ومنع الناس من الدخول في الإيمان وإظهار الإنكار ، ثم قال : * ( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ) * أي لا يحيط إلا بفاعله وفي قوله : * ( ولا يحيق ) * وقوله : * ( إلا بأهله ) * فوائد ، أما في قوله : * ( يحيق ) * فهي أنها تنبئ عن الإحاطة التي هي فوق اللحوق وفيه من التحذير ما ليس في قوله ولا يلحق أو ولا يصل ، وأما في قوله : * ( بأهله ) * ففيه ما ليس في قول القائل ولا يحيق المكر السيء إلا بالماكر ، كي لا يأمن المسئ فإن من أساء ومكره سئ آخر قد يلحقه جزاء على سيئة ، وأما إذا لم يكن سيئاً فلا يكون أهلاً فيأمن المكر السيء ، وأما في النفي والإثبات ففائدته الحصر بخلاف ما يقول القائل المكر السيء يحيق بأهله ، فلا ينبئ عن عدم الحيق بغير أهله ، فإن قال قائل : كثيراً ما نرى أن الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر والآية تدل على عدم ذلك ، فنقول الجواب عنه من وجوه أحدها : أن المكر المذكور في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي صلى الله عليه وسلم من العزم على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم ، حيث قتلوا يوم بدر وغيره وثانيها : هو أن نقول المكر السيء عام وهو الأصح فإن النبي عليه السلام نهى عن المكر وأخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء